حياة المصريين.. المصريون يعرفون طريق الثورات على البطالمة من أجل التحرر


بقلم / سليم خالد

نواصل سلسلة “حياة المصريين” مع موسوعة مصر القديمة مع عالم المصريات “سليم حسن” ونتوقف عند االجزء السادس عشر الذى يأتى بعنوان “من عهد بطليموس الخامس إلى نهاية عهد بطليموس السابع مع فصل فى عبادة الحيوان فى العهود المتأخرة”.

ويقول سليم حسن فى التمهيد:

تحدثنا فى الجزء السابق من هذه الموسوعة عن أمجد عصر وصلت إليه البلاد المصرية فى عهد ملوك البطالمة الأول، فقد بلغت أقصى مدى عزها وسلطانها فى عهد “بطليموس الثانى” واستمرت تدرج فى معارج السؤدد فى الشرق حتى نهاية حكم العاهل العظيم “بطليموس الثالث” الذى كاد يسيطر على كل بلاد الشرق فى باكورة حكمه لولا هبوب ثورة فى أرض الكنانة أوقفت زحفه المظفر على أملاك السليوكيين، ومن أجل ذلك عاد إلى مصر فجأة ليطفئ نار هذه الثورة التى لم يكن يتوقع هبوبها، وعلى الرغم من الحروب المظفرة التى قام بها هذا العاهل على “أنتيوكوس الثالث” وما أظهره من نشاط علمى واجتماعى ودينى فى كل أنحاء البلاد، فإن بوادر الانحلال والانحدار والانقسام قد بدت تظهر فى البلاد بسبب ما كان يكنه المصريون أهل البلاد من حقد وكراهية لأولئك الأجانب الذين سلطهم عليهم ملوك البطالمة فساموهم سوء العذاب بابتزاز الأموال وأعمال السخرة حتى طفح الكيل، ولم يبق فى القوس منزع، وقد كان المصريون يتحينون الفرص للتخلص مما حاق بهم من ظلم وإجحاف.

والظاهر مما سبق أن نهاية عهد “بطليموس الثالث” كان بداية انحدار سلطان البطالمة نحو الهاوية التى أخذوا يتردون فيها رويدًا رويدًا حتى جاء يومهم الموعود، ولولا صلابة عود “بطليموس الثالث” وما أُوتيه من قوة شكيمةٍ وحسن سياسة لاشتدت المقاومة، وساءت الأحوال إلى أقبح مما كانت عليه، ومن أجل ذلك فإنه لم يَكَدْ يوارى التراب رفات “بطليموس الثالث” هذا، حتى أخذت علامات الوهن والضعف تظهر فى داخل مصر وخارجها، وبخاصة أنه قد تولى عرش البلاد بعده طفل صغير لا حول له ولا قوة وهو “بطليموس الرابع”، فطمع فى ملكه ملوك البلاد الهيلانستيكية المجاورة، وفى نفس تلك الفترة برزت روما فى عالم سياسة الشرق، وادعت الوصاية على ملك مصر، فكانت حربًا على أعدائه، وحامية له.

ولقد كان من حسن حظ مصر وقتئذٍ أن ساعدتها الأحوال السياسية فصدت غزو “أنتيوكوس الثالث” عن مصر وهزمته هزيمة منكرة فى موقعة “رفح” التى تُعتبر من المواقع الحاسمة فى تاريخ الشرق القديم عامة وفى تاريخ مصر خاصة، فقد قضت على آمال “أنتيوكوس” وأطماعه فى مصر، وأصبحت معرة له فى كل الشرق، أما فى مصر فقد جاءت نتيجة هذه الموقعة ذات حدين؛ وذلك لأنها قضت على خطر الغزو الأجنبى الذى كان يهدد كيان مصر كدولة مستقلة من جهة، ولكن من جهة أخرى أتاحت لأبناء البلاد المصريين الذين اشتركوا للمرة الأولى فى عهد البطالمة فى حروب مصر الخارجية أن يخرجوا من غمار هذه الموقعة ولواء النصر معقود فوق رءوسهم، ومن ثم أخذوا يحسون بمكانتهم فى جيش البطالمة الذى كان يتألف حتى ذلك الوقت من جنود أجانب مرتزقة من الإغريق والمقدونيين، أضف إلى ذلك ما كان يقاسيه هؤلاء الجنود هم وأبناء جلدتهم من ظلم وخسف وسوء معاملة وامتهان فى كل مرافق الحياة على أيدى الحكام الأجانب الذين كانوا يسيطرون على زمام الأمور فى البلاد جميعًا.

وبهذه الأحاسيس والمشاعر أخذ الجنود المصريون الذين أسهموا فى إحراز النصر فى معركة “رفح” يقلبون ظهر المجن لحكام البلاد الأجانب، وبدأوا يدبرون الفتنة للتخلص من نير الحكم الأجنبي، وبخاصة عندما علموا أثناء موقعة “رفح” أن الجنود الإغريق قد برهنوا على خيانتهم وتخاذلهم. ومن الغريب أن رجال بلاط البطالمة كانوا يعرفون تمام المعرفة أن المواطنين المصريين كان لا يؤمن لهم جانب، ولا يمكن الاعتماد على إخلاصهم، غير أن مقتضيات الأحوال كانت قد اضطرتهم إلى أن يجندوهم فى جيشهم العامل للمرة الأولى فى تاريخ البطالمة، وكان فى ذلك الطامة الكبرى على حكم البطالمة؛ فقد اندلعت نار الفتنة بين رجال الجيش المصرى العائدين من ميدان القتال على الحكم البطلمي، وامتد لهيبها بين كل طبقات المصريين الذين كانوا ينتظرون هذه الفرصة ليخلصوا أنفسهم من ويلات الحكم الأجنبى ومَظَالِمِه التى أصبحت تزداد على مر الأيام.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.