حياة المصريين.. الفرس يحتلون مصر والحضارة العظيمة تحتضر


بقلم / محمد عمر

نواصل سلسلة “حياة المصريين” مع موسوعة مصر القديمة لعالم المصريات الشهير سليم حسن، ونتوقف مع الجزء الثالث عشر والذى يأتى بعنوان “من العهد الفارسى إلى دخول الإسكندر الأكبر وبه لمحات فى تاريخ السودان وفارس وقصة قناة السويس قديمًا”.

يقول سليم حسن فى التمهيد:

يختتم هذا الجزءُ من “مصر القديمة” آخر مرحلة فى تاريخ أرض الكنانة فى عهودها القديمة، ويبتدئ بغزو الفرس لمصر والاستيلاء عليها عنوة عام 525ق.م، ولا ريب أن هذا الفتح الفارسى كان يُعد فى نظر الفرس أعظم انتصار لهم أمام العالم المتمدين آنذاك، كما كان يعتبر أكبر كارثة وأخزى معرة حلت بالشعب المصرى فى تاريخه المجيد، حقًّا ذاقت أرض الكنانة قبل انتصار الفرس عليهم مرارة الغزو والاستعمار الأجنبى، فقد اجتاح الهكسوس منذ أكثر من ألف ومائتى عام قبل الغزو الفارسى بلاد مصر، غير أن سيطرتهم عليها لم تشمل كل التربة المصرية إلا فترة قصيرة نسبيًّا انكمشوا بعدها فى الوجه البحري، ثم ما لبثوا أن أجلاهم المصريون عن البلاد جملة على يد أحمس الأول مؤسس الأسرة الثامنة عشرة وبانى أول لَبِنة فى صرح الإمبراطورية المصرية التى امتدت بعده على أيدى خلفائه من أعالى دجلة والفرات حتى الشلال الرابع.

واقتصادًا فى القول: سيطرت مصر منذ نهاية باكورة القرن السادس عشر قبل الميلاد حتى بداية القرن الحادى عشر قبل الميلاد — بوجه عام — على كل العالم المتمدين ونشرتْ علومَها وحضارتَها فى معظم الأقطار التى كانت تدين لسلطانها أو تتصل بها، ولكن عامل الوهن والضعف والدعة أخذتْ تدبُّ فى أوصال الشعب المصرى عندما جنح أبناؤه إلى حياة الترف والرفاهية، وذلك فى فترة بدأت تظهر فيها أُمم فتيةٌ لم تدنسها عوامل الترف، ومن ثم أخذت تظهر بوادر الاضطرابات والفتن السياسية والدينية فى أرجاء الإمبراطورية، مما أدى إلى انحلالها وتفكُّك أوصالها، فلم يَسَع الفراعنة أمام تلك الحالة المنذرة بكل خطر إلا استعمال الجنود المرتزقة، لقمع الفتن وحماية البيت المالك نفسه.

وقد كان من جراء هذا التصرف أن وطد هؤلاء الجنود المرتزقة أقدامهم فى طول البلاد وعرضها، وانتهى بهم الأمر إلى انتزاع السلطة من يد الفرعون، وتولية واحد منهم عرش الملك.

كان هذا أول تدخُّل أجنبى غير مباشر فى حكم البلاد، فقد كان “سيشنق” مؤسس الأسرة الثانية والعشرين لوبيًّا مرتزقًا، وعلى الرغم من أنَّ أُسرته قد أنقذت أرض الكنانة لفترة من الزمن من الفوضى إلا أنه منذ نهاية حكم أسرته أخذت بذورُ الفرقة تنبتُ وتينع فى وادى النيل الذى كان ينحدر سكانه نحو الهاوية؛ لما أصابه من شيخوخة طاحنة، وانحلال تمثل — بصورة مزعجة — فى رجال الدين الذين كان جُلُّ همهم جمع المال والسلطان فى أيديهم بما كان لهم من نُفُوذ جارف على نفوس الشعب الساذج.

ولن نكون مبالغين إذا قررنا هنا أنَّ تغلغل السلالات الأجنبية فى أرجاء البلاد، واستيلاء أُسرهم على زمام الحُكم منذ الأسرة الثانية والعشرين كان السبب الرئيسى فى ضياع الإمبراطورية وخرابها.

والواقعُ أن المصائب قد توالتْ على مصر منذ نهاية حكم هذه الأسرة، إذ انقض عليها الكوشيون من الجنوب وأخضعوها لسلطانهم على يد الملك “بيعنخي” حوالى عام 750ق.م، الذى وجد البلاد فى فوضى يحكمها أكثر من ثمانية عشر ملكا فى آن واحد فى بقاع متفرقة منها. وفى تلك الفترةِ الحرجةِ من تاريخ أرضِ الكنانةِ كانت دولةُ آشور الفتية تَمُدُّ فُتُوحَها على كل العالم المتمدين، فوصلت فى فتوحها حتى أبواب مصر التى كان يحتلها الكوشيون، فانقض على أرض الدلتا الملك «اسرهدون» واستولى عليها وطرد الكوشيين منها.

ثم تلاه آشور بنيبال واستولى على كل البلاد جملة، وطارد “تنوتأمون” الكوشى حتى انزوى فى عاصمته “نباتا”، وبذلك انتهى الحكم الكوشى لمصر، وبدأ الحكم الآشورى الحقيقى فيها حوالى عام 667ق.م، غير أن سيطرة الآشوريين لم تدم طويلا، وآية ذلك أن أسرة من أسر حكام المقاطعات فى الدلتا أخذت فى مقاومة الآشوريين، وانتهى الأمر بأن أجلى بسمتيك مؤسس الأسرة السادسة والعشرين كل الحاميات الآشورية التى كانت تُرابط فى أرض الدلتا، وبذلك تخلصت مصر من احتلال آخر أجنبى لم يدم طويلا.

ولقد سار بسمتيك الأول مؤسس هذه الأسرة بالبلاد نحو الفلاح، والواقع أنه يعد من دُعاة نهضتها وبعثها من جديد؛ إذ نجده قد استمر فى إحياء مجد البلاد القديم، وذلك بالرجوع إلى ما كان لمصر من علوم وفنون وثقافة وفلسفة حتى جعلها قبلة العلم والمعرفة.

يُضاف إلى ذلك أنه أخذ يتصل بالبلاد الأجنبية المجاورة لمصر، ويفتح أبوابها لكل طالب وبخاصة أنه كان فى حاجة إلى تكوين جيش قوى فى هذه الفترة؛ يدافع به عن مصر فى وجه الممالك الفتية الناشئة التى ظهرتْ فى العالم وقتئذ.

ولقد كان له ما أراد؛ إذ تدفق على مصر الجنودُ المرتزقة من بلاد الإغريق «وكاريا» بآسيا الصغرى، وقد عُرف هؤلاء الجنود المرتزقة بشجاعتهم ومهارتهم فى فنون الحرب وحسن التسلُّح، هذا إلى أن الشعب الإغريقى منذ أقدم عهوده كان مرتبطًا بمصر ويعتقد أن أرض الكنانة هى أم الحضارات والعلوم، فلما أتاح لهم «بسمتيك» سبيل الدخول إلى مصر فى عصر نهضتها هذه؛ وفد إليها جمعٌ غفيرٌ من طُلاب العلم والمعرفة وأخذوا ينهلون من حياضها وينقلون إلى بلادهم كُلَّ ما تَعَلَّموه، ومِن ثم كانت المعرفة المصرية النواة الأساسية الصالحة التى نشأ منها العلم الإغريقى والمعرفة الإغريقية فى كل مظاهرهما. وهذه العلوم والمعارف هى التى نشرها الإغريقُ بدورهم فى كل أنحاء العالم المتمدين وبنى على أساسها العلم الحديث.

والواقع أنه منذ منتصف القرن السابع حتى نهاية القرن الخامس قبل الميلاد؛ كانت مصر الينبوعَ الذى استقى منه الشعبُ اليونانى كل علومه وفنونه. وهكذا سارت أسرة بسمتيك فى طريقها نحو إعلاء كلمة مصر وإحياء علومها القديمة، غير أنه فى نهاية عهد “أحمس الثانى” ظهرت دولة الفرس الفتية فى الأفق وأخذتْ تمد سلطانها على كل أقطار العالم المتمدين.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.