رواية “يعقوب” لـ محمد عفيفى.. بين السيرة الذاتية والرواية والتخيل التاريخى


بقلم/ ابراهيم محمود

التاريخ حمال أوجه، والعمل عليه، خاصة عند التطرق لمناطق مظلمة وجدلية، مرهق ومثير، والكتابة السردية الأدبية المبنية على أحداث تاريخية أكثر إرهاقًا وإثارة، والسؤال: هل يكتفى الكاتب بسرد التاريخ كما عرفناه، أم يقدم وجهة نظره خاصة لوقائع التاريخ التى حدثت، أم يكون للخيال دور فيما وقع من أحداث فى الماضى؟.
المؤرخ والأكاديمى المرموق الدكتور محمد عفيفى، الحائز مؤخراً على جائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية لعام 2020، قدم روايته الأولى المعنونة “يعقوب”، فى 122 صفحة من القطع المتوسط، في منطقة وسط ما بين السيرة والرواية، فنقف أمام السيرة الذاتية لـ”عفيفى” نفسه، إلى جانب سيرة تاريخية للمعلم يعقوب، إحدى الشخصيات التاريخية المثيرة للجدل أيام الحملة الفرنسية على مصر، وبالتالي نجد أنفسنا متورطين فى ما يمكن أن نسيمه “التخييل التاريخى”، الذي استثمره الكاتب، خاصة فى حكيه لبعض الأحداث الخاصة بحياة “يعقوب”
تدور الرواية حول باحث في قسم التاريخ بجامعة القاهرة، تقع في يده ورقة صغيرة تسقط من مخطوط قديم، مصادفة عن “المعلم يعقوب”، والذي أصبحت سيرته وكأنها شبح من الماضى يلاحقه عبر الأماكن والأزمنة والدراسات المختلفة، وحتى عبر الأشخاص الذي يقابلهم ويتحدثون مصادفة عنه، تنتهى بكتابة سيرة عن الأخير يتركها “الباحث” أمانة إلى تلميذته التى أوصها بنشرها بعد وفاته.
النص منذ عتبته الأولى يضعك أمام شخصية “يعقوب” فى محاولة لفك ألغاز تلك الشخصية المثيرة للجدل، وتخيل أحداثها وربطها بوقائع تاريخية، ويضعك الروائى في خانة المكاشفة وربما المحاكمة لهذه الشخصية التاريخية المثيرة، ومحاولة كشف أبعادها النفسية والشخصية، إذ يتصدر الغلاف صورة رجل ذي عمة كالتي كان يرتديها كبار التجار في ذلك الوقت، وذى لحية وشارب كثيفين، معبرة عن شخصية المعلم “يعقوب”.
تتعامل الرواية بصوت رئيسي هو صوت “الراوي العليم”، الشاهد الفوقى للأحداث، خاصة فى الأحداث التى تدور في حياة “التلميذ” بطل الرواية، أو فى وصف الوقائع الخاصة بـ”الجنرال يعقوب” مع ظهور عدة أصوات للشخصيات الروائية الأخرى خاصة في الجانب الحواري.
الرواية لها شخصيتان رئيسيتان الأولى هى “التلميذ” وهنا عمد الكاتب طيلة النص إلی عدم ذكر اسم الشخصية الرئيسية، واكتفى بالإشارة إليه بـ”التلميذ”، وهو ما يخدم الجانب الخاص بكونها جزءاً من سيرة ذاتية للمؤلف، وربما هي إشارة رمزية إلى شخصية البطل والمؤلف معًا التواقة إلى المعرفة والشغوفة بالعلم، وهي أيضا تعبير عن تواضع الباحث، وربما إشارة إلى الشاب الموجود بداخله الممتلئ بالطاقة والبحث ولا يتصور نفسه قد كبر وأصبح رئيس قسم وله تلاميذه، وهو أسلوب لجأ إليه من قبل العديد من الروائيين للتعبير عن الشخصية غير واضحة الملامح.
الشخصية الثانية الرئيسية هنا كانت المعلم يعقوب، إذ أضفى الكاتب أبعادا تاريخية، تشابكت مع خطوطه الروائية والتخيلية، فاستعان بطيف شخصية “يعقوب” من واقع ما ذكر تاريخيًا من تعامله مع الحملة الفرنسية إبان دخولها مصر، وأطماعه وربما مطالبه باستقلال مصر عن الإمبراطورية العثمانية، وهو الشخص الخائن في نظر عامة المصريين، والمهرطق في نظر الكنيسة المصرية.
الروائي في تعبيره عن شخصية “يعقوب” لجأ إلى استخدم تقنية الحلم، طرح من خلالها أسئلته كمؤرخ عن هواجس وأحلام بطل روايته، مقدماً رؤيته الخاصة كروائي مستخدماً الحلم كقناع روائي للتأويل المراد إيصاله عن شخصية “الجنرال”، ليتحرر من قيود الواقعية، ونسج أحداثًا ذات بعد خيالي توفر له مخرجًا من مواقف التاريخ الجدلية، خاصة فيما يخص واقعة شذوذ “يعقوب” والجنرال الفرنسي “دييسه” من جهة، والشيخ إسماعيل الخشاب مع ضابط فرنسي آخر من جهة أخرى.
الرواية كما ذكرنا سلفًا تمزج بين السيرة الذاتية والتاريخ والتخيل التاريخي، وفي الجزء الخاص بالسيرة الذاتية، نقف أمام وجود بعض الشخصيات التي تخدم فكرة السيرة مثل البابا شنودة الثالث بابا الإسكندرية المتنيح، والمؤرخ الفرنسي أندريه ريمون، والروائية ضحى عاصي، صاحبة رواية “غيوم فرنسية”، وشخصيات أخرى ربما متخيلة أو تحمل رمزية لشخصيات ربما قابلها “عفيفي” بالفعل، مثل “أمنية” حبيبته اللبنانية التي قابلها في باريس ولم تكتمل قصتهما.
الرواية وبالنظر إلى أن مؤلفها مؤرخ وأكاديمي مرموق، وصاحب أبحاث تاريخية عدة، افتقدت بعض أحداثها فى شقها الفني إلى حبكة درامية، خاصة تلك المتعلقة بتطور علاقة “التلميذ” بالشاب الفرنسى “تواشرار”، أو بالمؤرخ الفرنسي “أندريه ريمون”، كذلك في حديثه عن حبيبته أمنية، فلم يتطرق مطلقا للجانب العاطفي، إلا بإشارات بسيطة ثم نفاجأ معها أنها كانت حميمية. أما اللغة ففى الجزء الخاص بسيرة “التلميذ”، كانت إجرائية بعض الشيء ربما للتعبير عن حياة الباحث ورتابة الأبحاث التاريخية، فيما كانت أكثر رقة وعاطفة في السرد الخاص بالمعلم يعقوب.
في النهاية قدم الدكتور عفيفي، في عمله الروائي الأول، حلة روائية وتاريخية تخلص فيها من وجهات النظر التاريخية الجامدة، واستطاع عبر رحلة حكي خيالية إبراز جوانب مظلمة في شخصية تاريخية غامضة مثل “الجنرال يعقوب”، دون الانحياز لوجهة نظر بعينها، تحمل ضغائن أو كراهية، لكنه ترك للقارئ تكوين نظرته الخاصة عنه، وترك لنا أيضا أسئلة أخرى تبحث عن إجابات عن صحة الأفكار التاريخية السائدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.